موسوعة الادب العربي في خوزستان

TPL_KH_LANG_KH_MOBILE_DESKTOP TPL_KH_LANG_KH_MOBILE_REGISTER TPL_KH_LANG_KH_MOBILE_LOGIN

الموروث الديني في شعر أدونيس۱

فاطمة فائزي

الباحثة: فاطمة فائزي

تاريخ الولادة : خريف ۱۹۸۲

مکان الولادة: طهران

نوع الشهادة العلمية : شهادة الماجيستر في اللغة العربية و آدابها – من جامعة : العلامة طباطبائي بطهران.

عنوان المقال: الموروث الديني في شعر أدونيس

القسم ۱

الموروث الديني في شعر أدونيس

* بقلم فاطمة فائزي

معراج الرسول الکريم (ص) في شعر أدونيس

لقد وفّق أدونيس کبقية الشعراء المعاصرين في أن يعثر في ملامح الرسول الکريم على ما يتلاءم و الدلالة المعاصرة التي أسقطها عليها، و لقد رأينا کيف کان أدونيس يتحرّج من أن يعبّر بشخصية الرسول عن ذاته، أو أن يتّخذها قناعاً يوحي من خلاله بأفکاره الخاصة، تأثّما من أن ينتحل لنفسه شخصية الرسول أو أن ينسب إليه بعض صفاتها، و لذلک فقد کانت القصائد التي حملت فيها شخصية الرسول دلالة عامة أکثر بکثير من تلک التي حملت فيها دلالة خاصة بشاعر معين، و کما رأينا أن الشاعر

کثيراً ما کان يتحرج من التأوّل في شخصية الرسول، حتى إنّ کثيراً من شخصية الرسول، حتى إنّ کثيراً من قصائده کانت أقرب إلى صيغة «التعبير عن ...» منها إلى صيغة التعبير بـ...».[۱]

و لهذا و بما أن الشاعر يتحرّج أن يعبّر عن شخصية الرسول بصورة مباشرة، فلهذا

يستلهم قصة المعراج أو الإسراء المعروفة للرسول الکريم ليصف بعض جوانب شخصية الرسول المقدسة و الرفيعة في هذه القصة الدينية. و يتّخذ شخصية الرسول قناعاً له ليعبّر عن أحاسيسه و أفکاره و خلجاته النفسية.

و قد وظّف أدونيس معراج الرسول في قصيدة طويلة بعنوان: السماء الثامنة «رحيل في مدائن الغزالي» و عبّر عن بعض خواطره و أفکاره الخاصة.[۲]

"يستغرب القارئ لأول وهلة في بعض أحداث مسار القصيدة العجائب و في بعضها الآخر تفاصيل تبدو إستطرادات ناقلة، و لکنها حين تنضاف إلى بعضها تصبح إشارات واضحة إلى نص أوّل تتماثل أحداثه مع أحداث هذه القصّة، أعني قصة الإسراء الذي تناقلها الأدب الشعبي منذ قرون"[۳].

"تتجلى في هذه القصيدة ملامح الإسراء في طريقة الإنتقال المکاني کما في طبيعة المنطلق (مکان للانطلاق) والمآل (مکان الوصول)"[۴].

والشاعر يذکر في هذه القصيدة انتقال الرسول بصحبة جبرائيل من مکة

إلى بيت المقدس، على ظهر البراق إنتقالاً آنياً[۵] :

والشجر الأخضر في الطريق

مدائن حبلى و حاضنات

والشجر الميت في الطريق

نار بلا ضحية

تظلّ من رمادها بقية

في موقد الکلام

تحمل الطفل الذي ينام

حلماً

وللطفل الذي يفيق

دفتر الأحزان وأغنيات

هاهو بيت المقدس، المعراج [..[۶

في هذا المقطع من القصيدة يصف مسار أحداث صعود النبيّ إلى منتهى السماوات. فعند السماء السابعة يفترق الرسول عن جبرائيل ليستأنف طريقه صوب العرش (السماء الثامنة) حيث يملي عليه أحکام دينه. و يواجه الرسول عرش الله في وحدانيته، فيرى الکمال و إکتمال العلم والتأصل قدام العرش، و عند أم الکتاب، اللوح المحفوظ.[۷[

ثم أنّ الشاعر الذي ينتحل قناع شخصية الرسول يحسّ بأنه يرى حلول و تجسيد الخالق في کل شيء. فکأنّه هو الذي يشق طريقه إلى الوصول إلى السماوات أو إلى الحقيقة والکمال اللامتناهية. و في حقيقة الخالق يوجد في ذات کلّ الکائنات و کلّ شيء؛ الشّجر، النار، الطفل و حتى الرّماد .... و من جهة أخرى فهو يشعر بأنه طفلٌ أمام عظمة الخالق و هذا الطفل يحلم بإستمرار للوصول إلى حقيقة ذات الخالق و يتمنى أن يضيق من غفلته و جهله، فهو لن يقف عن الحلم بالحقيقة إلا عند الوصول إلى الحلم الحقيقي والحب العظيم الذي يتمناه بفارق صبر. و هذا الشوق للوصول إلى الحقيقة کنار تحرقه و لکن ليس بمعنى واقعي بل هي نار تزيد إشتياقه إلى المعرفة والکمال.

و يندهش الشاعر في هذا المقطع من واقع الحياة والکون والوجود و عندما يقول «والشجر الأخضر في الطريق» و «والشجر الميت في الطريق». فهو يريد أن يقارن بين وقائع الموت والحياة، فهو يخاف أن يموت من دون يصل إلى حقائق الحياة وفلسفة الوجود و ذات الکائنات. و لهذا يرجو أن يعبّر مدارج المعرفة بسرعة ليبلغ غرضه من المثل الأعلى في الکون والحياة. و کذلک يتأسّف الشاعر من المدن الراسبة و المتحلّلة التي يراها في طريقه إلى الحقيقة، فهو بمثابة شاهد على ما أصاب مدن الأرض من مصائب و نکبات، و هو يراها مليئة بالأحزان، فهذه المدن قد حبلت و حضنت المآسي والآفات التي يدمّر أحلام الطفولة والبراءة.

و من جهة أخرى يرى الشاعر بأنّ هذه الحياة ما هي إلا غفوةٌ أو کحلم يقظة مشحونة بالأحزان و الأفراح. والطفل الذي يحلم بالأحزان والأغنيات والأحلام اليقظة يجب أن يکبر و يحلم بحلم أکبر و أنضج ليصل إلى درب العلم و الکمال.

و على هذا الطفل أن لا يکتفي بأحلام حبّ الطفولة بل عليه أن يحلم بحبّ أعظم و هو

حب الخالق لأن في الکون ليس ما هو أعظم و أکبر من حب الخلق للمخلوق و حب المخلوق للخالق.

" و قصيدة «السماء الثامنة» يتّسم بلون صوفي و فلسفي.

فکما رأينا بوضوح فإنّ هذا المقطع کان يرتسم بنزعة صوفية، يتمثّل فيه حلول الخالق

في کلّ المخلوقات و کلّ شي. و لکن عندما نتحدث عن «السير في مدائن الغزالي» في

القصيدة فالغرض هو صحراء من سعالي «تحتاج توضيحاً، فالشاعر يرسم هنا مفارقة ساطعة بين «مثالية» النبوة، و بين مدائن الغزالي التي تمثّل السقوط في مقابل الصعود، وبعد أن تتم الرحلة الصعودية، تواجهنا الثورة على مدائن الغزالي «رفضت و إنفصلت»، لأنّ هذا الرفض يطلب التعبير المطلق، لکلّ شيء، متجسّداً في کل شيء"[۸ [

أفتح کل باب

أشقّ کل رمس

بغضبه الخالق، بالرجاء أو باليأس

بثورة النبيّ

مسکونة بالشمس

مسکونة بالفرح الکوني[۹]

فالعلاقة بين الحرکتين هي العلاقة بين المثل الأعلى والمثل المحطّم، لأنّ الغزالي في رأي أدونيس لم يظل وفياً لرسالة المثل الأعلى، و لهذا فسدت مدنه، و کان لابدّ من تصحيح الأوضاع فيها «بثورة النبيّ» أو بروحه التي يستمدّها الثائر الأدونيسي، و هو يهمّ أن يعلن الثورة"[۱۰]، و کذلک فإن الشاعر في هذا المقطع من قصيدته يدعو الإنسان إلى البعث والتغيير الإيجابي و يطلب منه أن يتمسّک بالأعمال والإيمان.

وأحبّ أن أقول: أن مدائن الغزالي لا تزال على موضعها ـ و تعيش کما کانت؛ مدن حبلى بالأحزان والدموع، و أنّ الشاعر أدونيس هو کالمرآة التي تعبّر عن حقائق المُرّة في مجتمعه العربي. ويبذل الشاعر قصارى جهده ليصوّر آفات مجتمعه في شعره و هو التخلّف والجهل والفساد. والشاعر يشعر بأنّه من أوّل ضحايا. هذه الموجة الجديدة الصاخبة والمدمّرة في مجتمعه. وبما أنه ثائر رافض للتخلّف و الجهل، فلهذا لا يريد الإستسلام من أجل الحقيقة و يسعى أن يطابق بين شعره و الواقع و يعکس في قصيدته «السماء الثامنة» الآفات التي تدمّر أسس المجتمع العربي. و يدعو الشعب العربي إلى المناضلة في سبيل الحق والحرّية والعلم و المعرفة.

جبرائيل (ع) في شعر أدونيس

يعد جبرائيل رمزاً للقوة التي الإنسان بالسماء، ففي قصيدة «السماء الثامنة» التي يستغلّ فيها أدونيس المعراج النبوي يجعل جبرائيل رفيقاً لمحمّد (ص) في رحلته ـ کما هو في حديث المعراج ـ حيث "کان البراق يقوده جبرائيل، وجه کآدم، عيناه کوکبان ... الخ"[۱۱]:

وعشت في تاريخک الغريق تحت الطين

کأنک التکوين أو کأنک الشرار

لو کنت من بغداد أو دمشق أو صنين؟

شددت فوق جسدي ثيابي و جئت للصحراء

کان البراق واقفاً يقوده جبرائيل،

وجه کآدم، عيناه کوکبان

والجسم جسم الفرس. و حينما رآني

زلزل مثل السمکة في شبکة ...[۱۲]

في هذا المقطع يتحدث الشاعر عن جبرائيل الذي يصعد مع الرسول إلى السماء، و کلّما لفت نظره شيء يسأل عنه جبرائيل، کما فعل محمّد (ص) ملاکاً لا يبتسم، يسأل جبرائيل عليه السلام: «من هو جبرائيل؟»، فيجيبه جبرائيل: «عزرائيل إقترب و سلم...»، و عندما يرى رجلاً طويلاً عليه مدرعة من صوف يسأله : يا جبرائيل. من هو؟»، فيجيبه جبرائيل «هذا صنوک المفضل الکليم، موسى بن عمران، إقترب و سلم ...» و يظلّ جبرائيل يرقى به في السماوات حتى يصل إلى الحضرة الإلهية[۱۳].

و عندما يتحدث أدونيس عن معراج الرسول فإنّه يقصد به العالم المثال الحقيقي. لأنّه ينتحل شخصية الرسول کقناع لخواطره و أفکاره.فرحلة الرسول عبر السماوات السبع و معه جبرائيل، في شعر الشاعر، هي رحلة وجدانية و نفسية يعبّر به أدونيس عن خفايا مشاعره و أحاسيسه و أفکاره الفلسفية والصوفية. فهو يتمنّى أن يتخطى کلّ عقبات هذه الحياة الدنيوية، ليصل إلى المعنى الحقيقي و المعنوي للحياة. والشاعر يرسم معراج الرسول مع جبرائيل إلى السماوات السبع في شعره ـ حيث يلتقي کافّة رموز العالم الآخر الأصلية على إختلاف درجاتها و وظائفها، من عزرائيل ثمّ إسماعيل و زکريا (السماء الأولى) و ملائکة ليلة القدر و داود و سليمان و يوسف (السماء الثانية) فإلى إينوخ و إلياس (السماء الثالثة)، ثمّ إلى هارون (السماء الرابعة) و موسى (السماء الخامسة) فإلى إبراهيم الخليل (السماء السادسة) ـ و أخيراً إلى آدم المستند إلى بيت المعمورة، أورشليم السماوية (السماء السابعة) حيث يبلغ سدرة المنتهى. الرحلة في عالم المثل تقابل الرحلة في عالم السماوات السبع، و إن إختلفت الشخصيات في شعر الشاعر، فالرّمز واحد: العالم المثالي الحقيقي"[۱۴].

و کما تحدثنا عن رمز معراج الرسول في شعر أدونيس، فإنّ الرسول يجتاز السماوات السبع مع جبرائيل ثمّ يواصل طريقه صوب العرش (السماء الثامنة)، حيث يواجه العرش الإلهي، و يکتمل علمه و أملى الله عليه من أحکام دينه و شريعته.

مصادر البحث

[۱] أنظر: عشري زايد، علي؛ الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص ۸۱.

[۲] أنظر: م.س ، ن. ص.

[۳] قاسم، عبد الحکيم؛ ندوة حول الرواية العربية، ص ۱۰۴، بتصرف.

[۴] وديمة عبود، يوسف؛ خطوات في النقد، ص ۱۷۲.

[۵]أنظر: المغربي، فاروق؛ «في ماهية التأثر و التأثير»، مجلة الموقف الأدبي، العدد

۴۵۱، ص ۶۷.

[۶] أدونيس، الأعمال الشعرية الکاملة، ج ۲، ص ۱۲۸.

[۷]أنظر: لعور، موسى؛ الحضور التاريخي في شعر أدونيس (قراءة سيمائية)، مجلة دنيا الرأي،

العدد ۶۴، ص ۲۰۳.

[۸] عباس، إحسان؛ إتجاهات الشعر العربي، ص ۱۷۱ ، بتصرف.

[۹] أدونيس، الأعمال الشعرية الکاملة، ج ۲، ص ۱۵۱.

[۱۰] عباس، إحسان؛ إتجاهات الشعر العربي، ص ۱۷۲.

[۱۱] عشري زايد، علي؛ إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص ۹۶

[۱۲] أدونيس؛ الأعمال الشعرية الکاملة ج ۲، ص ۱۲۵.

[۱۳] أنظر: عشري زايد، علي: إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص ۹۶.

[۱۴] الحلاق، بطرس، الأدب والمقدس «قراءة في سفر الجسد» ص ۱۶ـ ۱۷ ، بتصرف.

کل الحقوق محفوظة لموقع ادبنا

TPL_KH_LANG_MOBILE_TOP TPL_KH_LANG_MOBILE_SWITCH_DESKTOP

مجوز استفاده از قالب خبری ناب نیوز برای این دامنه داده نشده , براي اطلاعات بيشتر درباره مجوز استفاده از این قالب به سايت خليلان رسانه مراجعه کنيد .